محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

187

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

فانظر هذا ؛ فقد نبّهك هذا الحكيم على العلة في ذلك . إذا أطلق الثناء عليك ولست بأهل فائن عليه بما هو أهله . المؤمن هو الذي لا يرى نفسه أهلا لأن يمدح أو يثنى عليه ؛ لأن موجبات ذلك ليس له منها شيء ، كما تقدّم . فإذا أطلق اللّه تعالى ألسنة الناس بالثناء عليه ، ولا أهليته فيه لذلك فينبغي أن يعرف الحق لأهله فيستعمل نفسه بالثناء على اللّه تعالى بما هو أهله ؛ ليكون ذلك شكرا لنعمة إطلاق الألسنة بالثناء عليه من غير استحقاق لذلك ولا لثبوت أهلية . الزهاد إذا مدحوا انقبضوا ، لشهودهم الثناء من الخلق والعارفون إذا مدحوا انبسطوا ، لشهودهم ذلك من الملك الحق . تقدم أن الزّهاد في غيبة عن اللّه تعالى ، فهم لا يشاهدون إلّا الخلق ؛ فإذا مدحوا وأثني عليهم شهدوا ذلك من الخلق فانقبضوا عند ذلك لأنهم يخافون فوات نصيبهم من ربّهم لأجل ما يتوقعون من الاغترار بذلك . والعارفون حاضرون مع ربّهم ، فهم لا يشاهدون معه غيره فإذا مدحوا شهدوا الثناء من ربهم فانبسطوا لذلك ، وكان ذلك مزيدا في حالهم ومقامهم لغيبتهم عن أنفسهم . كان بعضهم يمدح وهو ساكت ، فقيل له في ذلك ، فقال : وما عليّ من ذلك ولست أغلط في نفسي ، بل لست في البين والمجزي والمثنى هو اللّه عز وجل » . وقيل : هذا المعنى في الخبر المرويّ : « إذا مدح المؤمن في وجهه ربا الإيمان في قلبه » « 1 » قال أبو طالب المكيّ ، رضي اللّه تعالى عنه : « وفيه طريق للعارفين بأن يعلو الإيمان العليّ إلى المولى الأعلى ، فيفرح بذلك لمولاه ويضيفه إلى سيده الذي تولّاه ، فيردّ الصنعة إلى صانعها ، ويشهد من الفطرة فاطرها ، فيكون ذلك مدحا للصانع ، ووصفا للفاطر لا ينظر إلى وصفه ، ولا يعجب بنفسه » انتهى . قلت : وللمؤلف - رحمه اللّه تعالى - قصائد في مدح شيخه أبي العباس المرسي ، رضي اللّه تعالى عنه ، وكان ينشدها كثيرا بين يديه ويقع ذلك منه موقعا عظيما ، وكان يستعيد منه بعضها ، ويقول له في بعضها : أيّدك اللّه بروح القدس . نحو ما كان يقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لشاعره « حسان بن ثابت » « 2 » مع أن حبّ المدح عندهم من الرذائل التي

--> ( 1 ) أخرجه الهيثمي في ( مجمع الزوائد ، 8 / 119 ) . ( 2 ) حسان بن ثابت بن المنذر الخزرجي الأنصاري ( توفي سنة 54 ه - 674 م ) أبو الوليد الصحابي ، شاعر النبي صلى اللّه عليه وسلم وأحد المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ، كان من سكان المدينة ، وعمي -